د. بدر الدين شيخ رشيد
ومن ثَمَّ، أخذت الكتابات والمؤلفات المتعلقة بالمؤسسة السياسية، وخاصة منصب “الخلافة والخليفة” أشكالاً متطورة وناضجة تجاه هذا الأمر في القرنين التاليين، فنجد الإمام الماوردي الذي يُعدُّ من أهمِّ المؤلفين الذين عالجوا قضية الخلافة والحكم وما يستتبعها من أعمال، فكتابه “الأحكام السلطانية والولايات الدينية” في غاية الأهمية، سواء من شقه العلمي أو العملي، على الرغم من وجود مؤلفات معاصرة للماوردي: ككتاب “رسوم الخلافة” لهلال بن المحسن الصابئ، إلا أن هذا الكتاب لم يتعمَّق، أو بالأحرى لم يُقَدِّم لنا ما تحتاجه المجتمعات الإسلامية من كيفية إدارتها وتنميتها على غرار ما وجدناه عند الماوردي.
والحق أن “أقضى القضاة” في عصره الماوردي الذي كان مُقَرَّبًا من الخليفة العباسي القائم بأمر الله، وكان مبعوثًا دبلوماسيًّا بين الخليفة وبني بويه، قد استفاد من هذه السفارات، فقرَّر أن يُوَضِّح “الأحكام السلطانية، والولايات الدينية” للمؤسسات السياسية في الدولة الإسلامية، بدءًا من الإمامة، وانتهاءً بأحكام الجرائم والحسبة، وأن يعرف كل مسئول في الدولة اختصاصاته ومسئولياته، والإطار العام الذي يحكمه؛ لأن هذه الوظائف السياسية هي مما تُشَكِّل العمود الفقري للأمة كلها، ومن ثَمَّ يقول الماوردي: “ولمَّا كانت الأحكام السُّلطانيَّة بولاة الأمور أحقَّ، وكان امتزاجها بجميع الأحكام يقطعهم عن تصفُّحها مع تشاغلهم بالسِّياسة والتَّدبير، أفردت لها كتابًا امتثلت فيه أمر من لزمت طاعته، ليعلم مذاهب الفقهاء فيما له منها فيستوفيه، وما عليه منها فيوفِّيه؛ توخِّيًا للعدل في تنفيذه وقضائه، وتحرِّيًا للنَّصفة في أخذه وعطائه”.
ومهما يكن من أمر، فقد أردف الماوردي الخلافة بالإمامة، فعرَّفها بقوله: “الإمامة موضوعةٌ لخلافة النُّبوَّة في حراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمَّة واجبٌ بالإجماع”. فبحسِّ الفقيه يربط الماوردي أمر الخلافة بما تعارف عليه فقهاء الأمة كابرًا عن كابر؛ فهي واجبة التحقق بالإجماع، ثم هو لا يُصرِّح بالخلافة؛ إذ لم تكن معالمها الحقيقية موجودة حينئذ من ضرورة تحقق الشورى التي استعيض عنها بولاية العهد والبيعة.