إسهامات العلامة ابن خلدون في نظام الحكم:

د. بدر الدين شيخ رشيد

ويُجَسِّد ابن خلدون قمة التطور الكتابي في المنظومة السياسية الإسلامية، حيث أوضح بجلاء علاقة المجتمع بالسياسة، وكيفية تواؤم أطياف المجتمع المختلفة والمتشابكة في بوتقة واحدة، والملاحظ أن ابن خلدون في مُقَدِّمته الشهيرة لم يتوقف عند حدود مجتمع بعينه؛ إذ وضع مجموعة من الأنماط المتفاوتة، واستطاع أن يجد لهذه الأنماط – البدوية أو الحضرية – الحلول الناجعة، وتُعْتَبر مؤلفاته المختلفة، وخاصة “المقدمة” دليلاً على استيعابه وفهمه العميق، فنجد أن مفهومَىْ الخلافة والإمامة على سبيل المثال، قد أَخذا عنده حيزًا واسعًا، وعمقًا بيّنًا؛ فهو يُقرِّر أن الخلافة “حملُ الكافَّة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”.
غير أن ابن خلدون قد فرَّق بين الخلافة والمُلك، فقال: “وجب أن يرجع في ذلك (حقيقة الملك) إلى قوانين سياسية مفروضة يُسَلِّمها الكافَّة وينقادون إلى أحكامها… فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبُصَرَائها كانت سياسة عقلية، وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يُقَرِّرها ويُشَرِّعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة…”.
وقبل أن نختم حديثنا عن دور المسلمين الريادي في مجال المؤلفات السياسية، يجب أن نؤكد على أن نظرة المؤلفات الإسلامية للأنظمة السياسية كانت نظرة منطلقة من كتاب الله وسنة رسوله r، كانت متقيدة بهما، فلم تَتَّبع أهواء الحكام في ترسيخ دائرة الظلم، وقهر الرعية، بل كانت ناصحة لهم، لا فرق في ذلك بين القديم منها والحديث، بيد أنها كانت مختلفة فيما بينها من ناحية الأسلوب، أو معالجة موضوع جديد.

شارك

لأراء  الواردة  في المقال أو في التعليقات تعبر عن آراء   اصحابها وليس عن رأي المركز بالضرورة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Translate »