د. بدر الدين شيخ رشيد
وقد أدرك العلماء المسلمون قيمة التأليف في هذا المجال منذ فترة مبكرة في تاريخ الحضارة الإسلامية، فمن طلائع مَنْ كتبوا في النظريات السياسية الإسلامية وعلاقتها بالتطبيق الفعلي في المؤسسة الإسلامية نجد الفقيه أبا يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة في مقدمة كتابه “الخراج”، يؤكد على مجموعة من الإرشادات العامة التي تُحَدِّد طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، دون الخوض في لجة الاجتهاد المطلق في هذا الجانب، فهو يؤكد على ضرورة طاعة الإمام، فَيُوردُ الأحاديث النبوية الدَّالة على ذلك؛ منها قول النبي: “إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا..” . ويؤكد القاضي أبو يوسف -رحمه الله- على أهمية مسألة طاعة الرعية للخليفة، مستدلاًّ بقول الحسن البصري -رحمه الله- فيقول: “لا تسبُّوا الولاة؛ فإنهم إن أحسنوا كان لهم الأجر وعليكم الشكر، وإن أساءوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر”.
وقد حضَّ القاضي أبو يوسف -رحمه الله- الخليفةَ على ضرورة سماع الرعية، والاقتراب منهم، وتَقَبُّل النقد أو الشكوى بكل رحابة، ويستدلُّ على ذلك بالرجل الذي جاء ناصحًا لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب قائلاً له: “اتق الله”. فلما نهره أحد الحاضرين في المجلس، قال عمر: “دَعْهُ، لا خير فيهم إن لم يقولوها لنا، ولا خير فينا إن لم نقبل”. وبهذا يتضح أن حديث رسول الله كان أول مصدر لأهل السنة لتكوين وجهة نظر أو ما يقترب من نظرية للخلافة، بيد أنها كانت خطوة أولية اتخذت صورة نصائح وإرشادات.